تتميز بعض المجتمعات بالتحضر والتقدم الذي يصل بها لتصدير ثقافتها إلى العالم، إلا أن بعض من يصدر لهم ثقافات هذه الدول المتقدمة لا يعلمون ما في بواطنها، ولا يدرون أن من بينهم من يعيش خارج حدود هذا الزمان حتى لو كان في قلب الحضارة الأمريكية بين مظاهر التكنولوجيا والتنافس المادي.
هذا ما تعيشه بالفعل طائفة «الآمش» التي اختارت أن تنبذ الحياة الحديثة في الولايات المتحدة، وأن تحذو حذو أسلافها منذ نحو 300 عام حين هاجروا إليها هربًا من الاضطهاد الديني في أوروبا، بحسب موقعي الحرة وdiscoverlancaster.

الآمش هي طائفة مسيحية بروتستانتية انشقت عن طائفة المينونايت Mennonite، بعد أن اعتبر مؤسسها جيكوب أمان، أن «المينونايت» بدأوا يتساهلون في تعاليمهم الأصلية، يعيشون في ولاية بنسلفانيا، في الشمال الشرقي الأمريكي، حيث يقيم 30 ألفا منهم في أقدم مستوطنة أقامها أجدادهم الذين بدأوا موجات الهجرة إلى أمريكا في بداية القرن 18 من مناطق في جنوب ألمانيا وشمال سويسرا هربا من الحروب الدينية والفقر والاضطهاد الديني.

يعيش نحو 250 ألفًا من الآمش الآن في 28 ولاية أمريكية إضافة إلى كندا، غير أنهم يتركزون في بنسلفانيا وأوهايو، ولم يتبق منهم طوائف في أوروبا، ويتحدثون لغة «بنسلفانيا دوتش» وهي لهجة قديمة منحدرة من اللغة الألمانية التي حافظوا عليها منذ أن هاجروا من ألمانيا قبل مئات السنين، لكن معظمهم يتقنون الإنجليزية أيضًا.

لا يؤمنون بتعميد الطفل رغمًا عنه، بل إن خيار المرء أن يكون مسيحيًا ينبغي أن يكون خيارًا واعيًا يقرره بين سن 16 إلى 25، لذا فإنهم لا يعتبرون أبناءهم على ديانة الآمش حتى يجرى تعميدهم، والتعميد شرط من شروط الزواج الذي لا يسمح إلا داخل الطائفة، ولأن خيار التعميد أو ترك الطائفة هو خيار صعب بالنسبة للشباب والشابات، تسمح الطائفة للمراهق بترك مجتمعه لتجريب الحياة الحديثة في العالم الخارجي بشكل مؤقت قبل التعميد، ويطلق على هذه المرحلة «رومسبرينجا» Rumspringa، وتبدأ ما بين سن 14 إلى 16، وقد لوحظ فعلا مراهقين على عربات «الآمش» يستخدمون الهواتف الخلوية المحرّمة على آبائهم، ويستغل بعض المراهقين هذه الفترة لتجريب الكحول والمخدرات والنوادي الليلية.


المدهش في الأمر أن ما بين 80 إلى 90% من الشباب يختارون العودة إلى مجتمعاتهم والتعميد من أجل الدخول في كنيسة «الآمش»، والسبب في ذلك أن حياة «الآمش» رغم بساطتها تعمها السعادة، والشباب يستنتجون أن الآخرين غير سعيدين برغم كل ما تقدمه الحياة الحديثة.

ونظرا لحرص الآمش على التواضع، ترتدي النساء فساتين طويلة ساترة ذات لون واحد، ولا تحمل أي رسومات، ويضعن منديلًا على الرأس لأن تغطيه الرأس شرط من شروط صلاة المرأة، وبما أنها تصلي في أنحاء النهار فهي ملزمة بتغطيته دائمًا، أما الرجال فيضعون قبعات سوداء في الشتاء وأخرى من القش في الصيف، وليس لستراتهم أزرار لأنها كانت تعد في أوروبا علامة على الفخر والثراء والمنصب الحكومي أو العسكري الذي يرتبط عندهم بالظلم.

يتواعد الشبان والفتيات بحدود بغرض الزواج، لكن الجنس خارج نطاق الزواج محرم، وتكون الزيجات بالاختيار ولا تكون مدبرة من قبل الأهل كما في الكثير من المجتمعات المحافظة الأخرى، وليس للآمش كنائس بل يقيمون صلوات الأحد في بيوت بعضهم البعض بشكل دوري، إذ يعتبرون أن الكنسية هي في أعضائها لا مبناها، ويرون أن تخصيص مبان لدور العبادة مضيعة للمال والأراضي التي قد تستغل في الزراعة.

يحرم الآمش الموسيقى، ويستخدمون الإنشاد الصوتي فقط في تراتيلهم الدينية يوم الأحد، ويحرمون استخدام الكهرباء بحكم أن الخطوط التي تمد المنازل وغيرها بالتيار الكهربائي تمثل نوعًا من الاتصال بالعالم الخارجي، وهذا التحريم يعد أحد أبرز رموز انفصال هذه الطائفة عما حولها.
لا يستخدمون الهواتف النقالة بل ولا حتى الهواتف الأرضية، ولقد تبرعت الحكومة وبنت لهم خارج بيوتهم كبائن على شكل أكواخ للاتصال في حالة وجود طاريء أو ما شابه، وقد حال تحريم الكهرباء دون دخول تأثيرات علمانية على منازلهم ووضع حدا نهائيا للجدل حول استخدام الأجهزة الكهربائية، مثل الراديو والتلفاز والآلات المنزلية الكمالية وغيرها من مظاهر الحياة المعاصرة، غير أن «الآمش» يسمحون باستخدام البطاريات التي تجعلهم غير مرتبطين بشكل مباشر بالعالم الخارجي، ولتشغيل الآلات التي يستخدمونها في مزارعهم وبعض الآلات المنزلية مثل آلة الغسيل وآلة الخياطة.
يعتمد «الآمش» على استخدام الهواء ومحركات الطاقة الهيدروليكية، ويعتمدون كذلك على قارورات الغاز لتشغيل الثلاجات وآلات الطبخ وأدوات تسخين الماء، في حين يضيئون منازلهم ومحلاتهم بفوانيس الغاز،

لا يؤمنون بإدخال أطفالهم للمدارس، وفي عام 1972 تم إصدار قانون خاص بهم يستثني طائفة «الآمش» من التدريس الإلزامي، وفي إطار معاملاتهم يلتزم «الآمش» نهج «عدم المقاومة» non-resistance، أي أنهم يؤمنون بضرورة عدم الرد على أي اعتداء عليهم، ولا يؤدون أي نوع من الخدمة العسكرية، ولا يشترون أي نوع من التأمين، ولا يرفعون القضايا القانونية، ويفضلون أن يقبلوا بالظلم بدلاً من ذلك.

في 2 أكتوبر عام 2006 دخل رجل من غير «الآمش» على مدرسة للآمش في مقاطعة لانكستر، وأطلق النار على عشر بنات تتراوح أعمارهن بين 6 سنوات إلى 13 سنة، ما أدى إلى مقتل خمسة منهن قبل أن ينتحر، وكان رد طائفة الآمش آنذاك هو التسامح الفوري والعفو الكامل عن القاتل، وقال جد إحدى الفتيات للإعلام الأميركي: «لا ينبغي أن نعتبر هذا الرجل شريرا». وقال رجل دين من الطائفة: «لا أظن أن أحدا هنا إلا ويريد أن يغفر له وأن يمدّ يد العون ليس فقط إلى أهل الضحايا بل إلى أهل الرجل الذي أقدم على هذا الفِعل».

يحرص الآمش على الالتزام بالقوانين ويدفعون ضرائب عن الدخل والممتلكات، لكنهم مُعفوْن من دفع ضريبة الضمان الاجتماعي لأنهم يرفضون أن يتلقوا مستحقاتها، ويؤمنون بالتكافل بدلا منه، فهم يتكاتفون فيما بينهم أثناء المصائب بمد العون المادي والمعنوي، وليس بين «الآمش» أطباء، لكنهم يتلقون العناية الصحية من الأطباء الحديثين.

يقصد السياح من أنحاء العالم الأماكن التي يعيش فيها «الآمش» لكي يتأملوا كيف ستكون الحياة لو عشنا بدون كهرباء وبدون سيارات وبدون كل التكنولوجيات الحديثة التي اعتدنا عليها، ولو نبذنا التنافس في المظاهر وارتدينا زيّا مشتركا دائمًا، وكثيرا ما يتبادر في ذهن السياح في نهاية الزيارة أن العالم ربما يصبح أكثر سلامًا لو عاش مزيد من الناس هكذا حسب ما ذكر في موقع «الحرة».

إرسال تعليق

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.